ساعات باقول الحكمة ما يقولهاش نبي وساعات غبي

أستاء من الناس، أفر من أصدقائي ومعارفي، فرار السليم من الأجرب، ثم تعصرني الوحدة، فأبحث بين الغرباء عن صاحب، أتسول الحكايات كما يتسول الجائع لقمة، قل حكاية يا سيدي لعلها تكون شفيعا لك يوم القيامة، شيء لله يا آنسة، تبدين حسناء وقد تغني الصورة عن قصة، يهشني أكثرهم بلا رحمة، يحرمونني القصص التي أعيش عليها، يتركونني أتلوى من الظمأ، بعد يوم طويل من المسألة، تكون المحصلة سطورا غير مكتملة، أشباحا غير واضحة الملامح، خيبات متكررة مؤلمة، لكن لا بأس، أنت تعرف العالم قاسٍ والكرماء أندر من الماس.

لا تكتموا القصص، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه

ahmd-samir:

مثل أغنية

يتحشرج صوت المطرب في مقطعها الثاني

ويحاول عبثا أن يكمل دون أن يبدو عليه التأثر

لكن جهاده بلا جدوى

لأن الجمهور السكران الذاهل بعد ليلة طويلة من الصخب

لا يعي كلمة واحدة مما يقال

سيحتفلون حتى لو شخَّر في المايك

سيهللون إن أخبرهم أنه سينتحر بعد هذه الفقرة

لا لأنهم يكرهونه 

بل لأنهم غارقون للثمالة في أنفسهم 

وربما يكونون أناسا طيبين في أوقات أخرى

لكن العالم في هذه اللحظة ينتهي عند حدودهم

عند الانتشاء الشخصي بالأشياء

وقد كان ينبغي أن أصاحب المغني لأستقصي عن مأساته

كان ينبغي أن تهتم عزيزي القارئ بذلك المسكين

لكنك مثلي يأخذك السعي إلى الفرح عن تقصي أسباب الحزن

فتعبره مشمرا فستانك كما تعبر رشح المجاري في الشارع لتصل إلى البقال

يحلق شيء ما، غير حقيقي وغير خيالي بالكامل، مزيج من هذا وذاك، يلمس جسدي العاري ثم يحط على الزجاج، يصير أوضح في انعكاس الضوء القادم من الشارع، لكنه يظل غامضا، مرئيا وخفيا، بلا صوت، يكتسب وجوده من التصديق، من اتفاقنا على الألعاب البريئة، التي لا تتطلب استعدادا مسبقا وإنما انغماسا فوريا فيما لا نعرف، في تجاوز أسئلة المنطق والصواب والخطأ.

الساعة ٥ الفجر، كنت فاكرها ٤!

أظن ينفع تعريف الإنسان الحديث باختراع الزمن، البشر عرفوا الوقت من عصور سحيقة، بس كان وقت مختلف، مرحرح، متصل بالطبيعة بالحياة بالشمس والقمر والنور والضلمة والنجوم، بالمواسم والبرق والرعد والمطر بفيضان النيل والمحاصيل، بالتلج والسيول والرياح والعواصف، بالورد والربيع والخضار، الزمن اختلف مع تصنيع الساعات، بقى أوضح، لكن زمن الآلة الإلكترونية عرفنا مستوى تاني من الزمن، زمن الشاشة، شديد الدقة والتحديد، زمن محدد بدقة بالدقيقة وحتى الثانية، زمن الألارم والتايم لاين والديدلاين، زمن انجليزي زي مصطلحاته، زمن محبوش لكني واقع في أسره.

عادة مش بفضل سهران لدلوقتي، لكن أكيد المشروب العجيب اللي عملته هو السبب، عود قرفة وقرنفليتين وقطعتين جنزبيل مجفف -مش أنا اللي مجففه- وشريحتين قشر برتقال مجفف أنا اللي مجففهم، واحدة سبتها تنشف ف البلكونة وواحدة سيبتها شوية في قاع الفرن، اتحرقت سنة بس طعمها كان ظريف لما قطمت منها، وشريحتين من لمون مش قادر اوصف بالظبط العملية اللي حصلتله، جففته الأول ف البلكونة، وبعدين حطيته ف برطمان قزاز فرجع طري تاني بعد ما اسود، بحب ريحته جدا لما افتح البرطمان بس النكهة مش قوية زي ما انا عايز، وحبهاناية، سبتهم يغلوا في براد فخار على نار هادية، وقعدت قدامه بقرا دراسة عن ختان الإناث في مصر بتقول إن ٤٧% من عينة البحث اللي تم في أفقر أحياء القاهرة ناويين يختنوا بناتهم لما يخلفوا، لحقت البراد قبل ما يفور، بس معجبتنيش الطعم قوي، فحطيت عليهم شوية شاي ورد كان جاي في علبة بتطلع موسيقى لما تتلف.

مش بيسهرني الشاي عادة، القهوة اللي بتعمل كده، بس ممكن الميكس مع شاي الورد تأثيره أقوى، كنت متوجس وأنا بضيفه، بس مش مستاء، كانت سهرة لذيذة ومشروب لذيذ، بحب اجرب، في الأكل والشرب والحجات اللي بخللها واجففها واخمرها بحب اخترع، بكره التزم بالوصفة، عشان كده ما بعرفش اكرر نفس الوصفة، ﻷنها عادة معتمدة على مزاجي وعلى ايه الموجود قدامي، من كام يوم عملت مكرونة بنفسجية، حاولت أوثقها بصورة بس كاميرة الموبايل الرديئة ما لقطتش اللون، كنت حاطط على الصلصة بنجر، والمكرونة كانت باقية من طبخة جماعية عملنا فيها أكل صيني، بعدها بيوم عملت بجزء من المكرونة سلطة تونة، والجزء الأخير عملته بصلصة البنجر، قبلها كنت عامل شوربة عدس اسمر بشوكلاتة دارك ورد واين، كانت معقولة، يمكن ﻷن البهارات خلت طعمها عادي، الأصدقاء اللي جربوها مقدروش يخمنوا المكونات، بس ما تحمسوش ياكلوا منها تاني، خلصتها أنا على يومين، مكنتش مضطر، بس القاعدة عندي ان اللي اطبخ هيتاكل.

ألا تكلمني؟

أخرج قلما واكتبلي، على المناديل، على علب الشاي، ولو جملتين، قل إن الجو جميل، وإنك تود أن تراني في المساء، سيكون لطيفا أن تراسلني على الموبايل بالطبع، لكن على الورق الأمر مختلف، يبدو بديعا وسحريا، بعد مئة عام، وربما عشرة، سيصير ذلك أسطوريا، ستختفي الأوراق والأقلام، وسينظر لهذه الكتابة اليدوية كما ننظر نحن إلى نقوش أسلافنا ورسومهم على جدران الكهوف، سيقول صبي في المستقبل متأملا قطعة بالية من الورق عليها جملتاك: إن أسلافنا كانوا حالمين، وسيتخيل أنهما جملتان شاعريتان لكنه لن يفهمهما.

على الأقل هو نسي نفسه واتجمد من البرد بسبب حاجة حقيقية مهما كانت بساطتها، أو بالظبط عشان بساطتها، إنما انت بقالك ساعة بتحلب في خيالاتك لحد ما اتجمدت، كسم الفقر والسفاهة وانعدام الحياة، وانت قدامك عشرين خيار واقعي بتسيبهم وتروح تشد كلة ف الفراغ، ومستني ان العالم يكافأك، طب على ايه؟ بأنهي منطق؟ الحداية ما بتحدفش كتاكيت! قوم يا عم شخ ع الأقل الإخراج حاجة مفيدة وبالمرة تاكل حاجة تعلي ولا توطي ولا تطفحك الواقع، طعمه مش وحش مع ان الطازة بيبوظ أسرع من كده، ولا عشان خلطبيطة مش مفهومة فمش عارف تحكم على طعمها بأي معيار للحلو والوحش، أرميها واختار السلامة؟ ولا ابلعها وادعي ان ميبقاش فيه مضاعفات؟ هاخدها معايا يمكن تنفع ف لحظة ما العدم يعصرني، وانا سارح ف الفراغ وبتجمد من البرد.

  • من وحي الخراب والصحبة، والمحادثة اللانهائية لموريس بلانشو