TOP

جريدة المدى > عام > موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

نشر في: 18 يناير, 2026: 12:02 ص

ثائر صالح
الحلقة الخامسة: الانتكاسة
بدأ موتسارت بتأليف دون جوڤانّي في آذار 1787. خلال ذلك توفي أبوه، ليوبولد موتسارت في أيار، لكن الابن لم يحضر مراسم توديعه في زالتسبورك. ربما أثّر هذا الأمر على أجواء الأوبرا الدرامية القاتمة التي يعدها كيركَكارد أعظم إنجاز فني في التاريخ. جوهر الأوبرا هو المبارزة بين دون جوڤانّي الذي اعتاد إغواء النساء ودون كونزالو (إل كومنداتوره) الذي كان يدافع عن ابنته ومقتل الأخير، ثم ظهور الأب في نهاية الأوبرا على شكل تمثال ليطارد دون جوڤانّي ويرسله إلى الجحيم بعد أن رفض إبداء الندم. قُدّم العمل في براغ يوم 29 تشرين الأول 1787 بعد شيء من التأخير ولاقى نجاحاً كبيرا. لكن العرض الأول في ڤيينا لم يحدث إلا في في أيار من العام التالي، 1788.
غيّرت الحرب مع الدولة العثمانية التي اندلعت في شباط 1788 كل شيء. كانت البلاد في حالة حرب، فقد غادر الأرستقراطيون ڤيينا لقيادة الجيش في البلقان مما أثر على دعم الفن بشكل مباشر، وتغير المزاج العام وما عاد يحتمل عملاً من وزن دون جوڤانّي في ظل أجواء الحرب والبحث عما يبعد الخوف والمآسي.
ومع ندرة العروض الموسيقية وتوقف الارستقراطية عن تمويل الفن بسبب الحرب، بدأ موتسارت يواجه الديون التي أخذت تتراكم عليه. فقد اعتاد على مورده من الحفلات التي يقيمها والأعمال التي يكلف بكتابتها، وهذه أخذت تتضائل. مع ذلك لم يتوقف عن العيش بنفس الطريقة السابقة - حياة البذخ وسهر الليالي مع الأصدقاء، مما زاد من أزمته المالية وبالتالي النفسية والصحية على العموم وغلبته الكآبة، وفشل في إدارة أزماته. لذلك لم يكتب موتسارت إلا القليل من الأعمال في بين 1788-1790.
مع ذلك، خففت زياراته لمدينة برلين والاستقبال الحار الذي قابله به عاهل بروسيا فريدريش ڤيلهلم الثاني من هذه الأزمات بعض الشيء ومؤقتا. فقد قدّم هناك زواج فيكارو بنجاح، وألّف ست رباعيات وترية بطلب من الملك سميت بالرباعيات البروسية.
ولم تجلب له أوبرا "Così fan tutte" التي يمكن ترجمتها إلى "كلهن متشابهات" (KV588) النجاح لفترة طويلة، فقد جاء موت الإمبراطور يوزف الثاني بعد شهر من العرض الأول للأوبرا في 20 كانون الثاني 1790 ودخول البلاد في فترة شهرين من الحداد فتوقفت كل العروض الموسيقية. فقد موتسارت بموت راعيه أهمّ من دعمه وقدّر فنه، فقد عرفه الإمبراطور منذ كان طفلاً معجزة وسهّل تقديم أعماله بين الحين والحين. وقام مؤخراً بتعيينه بمنصب شكلي هو مؤلف البلاط خلفاً لكريستوف ڤيليبالد كْلوك بعد وفاته في 1787 لمجرد الحفاظ عليه في ڤيينا، وكلّفه تأليف موسيقى الرقص للبلاط لقاء أجر متواضع.
وفوق ذلك لم يدعو أحد موتسارت لتأليف عمل خلال تنصيب الإمبراطور الجديد، ليوبولد الثاني الذي أقيم في فرانكفورت خريف 1790، بينما دعي هايدن وسالييري بين موسيقيين آخرين. مع ذلك سافر إلى فرانكفورت على حسابه وقدم سيمفونيته الأربعين العظيمة (KV550) في حفلة لم يحضرها إلا القليل بسبب إقامتها بالتزامن مع استعراض عسكري كبير.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

فاروق صبري: المسرح يعني الاحتجاج والتمرد وطرح التساؤلات الكبرى

الرغبةُ حين تستيقظُ من الحِبر حكايةُ نصٍّ يكتبُ ذاته

وجهة نظر : لماذا نكتب ونستعرض؟

(وصفات طعام بسيطة) قصص تكشف دوافع صراع الأجيال

عثمانُ الموصليّ

مقالات ذات صلة

تخوم الشعر والتشكيل
عام

تخوم الشعر والتشكيل

جمال العتابي عادل مردان، واحدٌ من الأصوات الشعريّة العراقية التي اشتغلت على تحرير التجربة الشعرية من قوالبها الجاهزة، والبحث عن ص يغ تعبيرية تستجيب لتحولات الواقع والذات معاً، في أعماله الشعرية مسار واضح منحاز...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram