الكل يترقَّب المرحلة الثانية من اتفاق غزة،
لكن غزة نفسها لا تترقَّب شيئًا بقدر ما تنتظر أن تُرفع عنها حالة التعليق القاتلة التي وُضعت فيها..
فهي اليوم تقف في المنتصف تمامًا؛
لا تعيش حربًا مكتملة الأركان فتستعد لها،
ولا سلمًا واضح المعالم فتطمئن إليه.
حالة رمادية خانقة،
أشد قسوة من الحرب ذاتها،
لأن الحرب على قسوتها كانت على الأقل صريحة.
في هذه المرحلة، لا تُسمع أصوات القصف المتواصل كما في ذروة الحرب،
لكن أصوات الخوف لم تهدأ..
الخيام ما زالت ترتجف أمام كل منخفض جوي،
والبيوت المهدَّمة لم يعد بناؤها،
والنازحون لم يعودوا،
والجراح لم تجد وقتًا لتلتئم..
غزة عالقة بين قد يحدث وقد لا يحدث،
بين وعدٍ سياسي هشٍّ وواقعٍ إنساني ينهار كل يوم بصمت.
المرحلة الثانية من الاتفاق كما تُقدَّم إعلاميًا،
تبدو كأنها بوابة أمل..
لكن الغزي الذي خبر الاتفاقات والهدن المؤقتة،
يعرف أن الأمل غير المحمي أخطر من اليأس..
فالاتفاقات التي لا تُبنى على ضمانات حقيقية،
ولا تُترجم فورًا إلى رفع للحصار وإعادة إعمار وعودة للحياة،
تبقى حبرًا باردًا لا يدفئ خيمة ولا يعيد طفلًا من البرد.
الأخطر في هذه المرحلة ليس ما يُقال،
بل ما لا يُقال..
الغموض سيد المشهد..
لا وضوح في المدى الزمني، ولا في السقف السياسي، ولا في مصير الناس الذين يعيشون على هامش البنود والوساطات..
غزة لا تحتاج بيانات جديدة،
بل تحتاج قرارًا واضحًا..
إما إنهاء حرب بكل تبعاتها،
أو استمرارها بكل وضوحها،
أما هذا التعليق القاسي فهو استنزاف بطيء للإنسان قبل الحجر.
غزة اليوم لا تُقصف بكثافةٍ لكنها تُستنزف..
تُستنزف نفسيًا، اقتصاديًا، ومعيشيًا..
الأطفال لا يعرفون هل يعودون لمدارسهم أم يبقون على أطراف الخيام،
العائلات لا تعرف هل تعيد ترتيب ما تبقى من حياتها أم تنتظر موجة نزوح جديدة،
والمدينة كلها تعيش على حافة السؤال.
في المنتصف تقف غزة،
لكن الوقوف طويلًا في المنتصف موتٌ مؤجل..
والاتفاق إن لم يتحول سريعًا إلى واقع ملموس،
فلن يكون سوى استراحة قصيرة في حرب طويلة،
أو هدنة لالتقاط الأنفاس قبل جولة أخرى من الألم.
وغزة التي دفعت ما يفوق قدرتها على الاحتمال لم تعد تحتمل أن تبقى معلَّقة بين الحياة والحياة المؤجلة.