يعالج المؤلّف، ببصيرة العالمِ المتعمّق بقضايا تراث العلوم العربية، منهجاً وتاريخاً وموضوعاً وفلسفةً، واقع البحث العلمي العربي، قديماً وحديثاً، فيرى أن هذا البحث ما زال في بداية الطريق، ولا نعرف منه وعنه إلا اليسير المتواضع، فلم يُحقَّق من نصوصه، وَفْقَ أصول التحقيق العلمي، وبشكلٍ متأنٍّ، إلاّ ما ندر.
ويرى المؤلّف أن هذه الدراسة للتراث لا تهدف إلى الرجوع إلى الماضي للتغنّي والتفاخر به، فهي ككل دراسة تاريخية لا تستحق العناء إن لم تأخذ بنا إلى التفكير في الحاضر وإقامته على أسس صلبة. فالغرض من هذا الكتاب، إذن، هو المعرفة الموضوعية الدقيقة بذاكرة الأمة. فلا وجود لأمة فاقدة الذاكرة، جاهلة بتكوينها، كما لا يمكن لتجديد أو بعث أن يقوم بدون هذه المعرفة. والعلوم الرياضية وغيرها من العلوم الطبيعية والإنسانية، وباختصار كل الممارسات العقلانية، هي من أهم مكوّنات الذاكرة.
لذا، يشدّد المؤلّف على قضيّة تجديد كتابة تاريخ العلم العربي، الذي يقود إلى تجديد تاريخ العلوم نفسه، وهذا هو الثمن الذي علينا دفعه، كما يقول المؤلف، حتى يمكننا أن نساهم في تقدّم تاريخ العلوم جملةً، وحتى يحقِّق تاريخ العلم العربي، على الأقل، المهام الثلاث: فتح الطريق أمام فهمٍ حقيقيّ لتاريخ العلم الكلاسيكي بين القرن التاسع والقرن السابع عشر؛ تجديد تاريخ العلوم عامة، بإعادة رسم الصورة التي شوّهتها النظرات العقائدية؛ ومعرفة الثقافة الإسلامية حق المعرفة بإعادة ما كان من أبعادها، وهو البعد العقلي العلمي.
رياضي مصري وفيلسوف ومؤرخ يعيش في فرنسا منذ 1956 ويعمل أستاذًا بجامعة دوني دويدرو وعدد من جامعات العالم.
حقق رشدي راشد كتب علماء العرب الرياضيين وترجم المخطوطات العربية إلى الفرنسية وشرحها تاريخيًا وفلسفيًا ورياضيًا وعلق عليها . كما أعاد إحياء تراث ابن الهيثم والخوارزمي والكِندي وعمر الخيام والسموأل وقدم عنهم حقائق تاريخية لم تكن معروفة من قبل
كما يقترح العنوان هذه دروس ومحاضرات نشرها المؤلف، وهو رياضي ومؤرخ مصري يعمل مديرًا للمركز القومي للأبحاث في فرنسا، في مناسبات مختلفة. أخذ الكاتب على عاتقه في الفصل الأول من الكتاب تفنيد الأطروحة الشائعة بين المستشرقين وكثير من الدارسين العرب، الذين لم يروا في العلم العربي -على أحسن الأحوال- إلا خزانة للترجمات اليونانية! فمهمة المؤرخ والحال هذه هي التنقيب في العلوم العربية عن آثار العلوم الإغريقية وحسب. أعمت هذه الرؤية العقائدية أكثر الباحثين عن إبصار مواطن الإبداع -الكثيرة- في العلم العربي، لأن العين -مثلما يقول هنري برغسون- ترى ما يكون العقل مستعدًا لفهمه. يصر د.راشد على أن العلوم اليونانية، لم تكن المصدر الوحيد للعلوم العربية، فالعلم العربي كان علمًا عالميًا بمعنى الكلمة؛ عالميًا بمنابعه ومصادره، وعالميًا بتطوراته وامتداداته. صحيح أن أغلب مصادر العلم العربي كانت يونانية؛ إلا أنها في ذات الوقت تضمنت قدرًا صالحًا من المؤلفات السريانية والفارسية والسنسكريتية. ترتب عن جهل أو تجاهل، لا فرق، أكثر المستشرقين وطلابهم من الدارسين العرب للعلم العربي أن علم القرن السابع عشر بدا ثوريًا من البداية وحتى النهاية، وفي كل بقاعه على السواء، وأخذ على أنه المرجع المطلق الذي تقاس به وعليه مواقع وأماكن ما سبقه من العلوم. عرض المؤلف بعد هذه المقدمات لمزايا العلم العربي، وهي: عقلانية رياضية جديدة، ظهرت مع ابتكار/اكتشاف الخوارزمي للجبر، والتجريب كنمط من أنماط البرهان مع ابن الهيثم مع شيء من التفصل ليس هذا محله. يدور الفصل الثاني حول نشأة الفكر العلمي والفلسفي في الإسلام. الذي يقدم ويختزل، غالبًا، بهذه المراحل الثلاث: الأولى للترجمة، والثانية للتمثل والاكتساب، وأخيرًا مرحلة الإبداع. دحض د.راشد هذه الفكرة جملة وتفصيلًا، وساق عددًا لا بأس به من الأدلة على أن البحث العلمي، والفلسفي في الإسلام بدأ قبل الترجمة، بل إن هذا البحث كان الدافع الأساسي لنقل الكتب والمعارف القديمة. إذن، بدأ العلماء بنقل معارف وعلوم الأوائل لتلبية حاجات آنية، كنقل دواوين الدولة البيزنطية وترجمتها للعربية، ثم نقل المؤلفات العلمية، وإن كانت بمحاولات فردية، مثلما يروى عن خالد بن يزيد وغيره. كذلك احتاجت المشاريع الضخمة، خاصة تخطيط المدن، إلى كثير من المعارف الفلكية والهندسية، كما حدث عند تأسيس بغداد. واضح أن تدخل السلطة السياسية، وتشجيعها للترجمة والبحث ساهم إسهامًا كبيرًا في تطور الترجمة وانتقالها لمرحلة ثانية مع بدايات الخلافة العباسية، هي مرحلة المؤسسات.
أصبحت الترجمة، إذن، مهنة علمية ومؤسسة؛ ويعود هذا التحول لعدة أسباب، اجتماعية وعلمية وفلسفية منها: أن البحث الكلامي احتاج لبعض المعرفة الفيزيائية عند الحديث عن الجوهر الفرد والخلاء، وما إلى ذلك. يعرض المؤلف بعد هذا لمنظمة الترجمة في العهد العباسي، وخاصة في مؤسسة بيت الحكمة التي أنشأها المأمون، والتي لا تضم علماء أفرادًا في تخصصات مختلفة مثل: يحيى بن أبي منصور في الفلك، والخوارزمي في الرياضيات، والحجاج بن مطر في الترجمة وحسب، بل فرقًا ومجموعات متنافسة: كمجموعة الكندي ومساعديه، فريق بني موسى، وفريق حنين بن إسحاق .. إلخ.
عقد د.راشد وهو محقق رصين، فصلًا ماتعًا عن أساليب وطرائق التحقيق العلمي. أتبعه بحديث لذيذ عن المخطوطات، وصعوبة البحث عنها، وما يكابد الباحث من شقاء وما يقطع من مهامه وقفار في سبيل الحصول على مخطوط أو جزء من مخطوط مفقود. كذلك بيّن عددًا من التقنيات الضرورية في التحقيق العلمي، كمقابلة كل مخطوطات النص، والمخطوطات المترجمة عن النص، سواء من اليونانية للعربية، أو من العربية للاتينية. ووضّح أيضًا أن كمًا هائلًا من المخطوطات الأساسية في العلوم العربية مفقودة إلى الآن، مما يزيد الطريق وعورة على الباحثين والدارسين، ويحد من معرفتنا بالعلوم العربية ومدى تطورها. هذا باختصار شديد ما يخص الفصلين الأول والثاني، أما ما يخص بقية الفصول فتدور، غالبًا، حول إسهامات الرياضيين العرب وإبداعاتهم، والعقبات التي واجهتهم، وتحتاج إلى معرفة صالحة في الرياضيات لفهمها واستيعابها. وعمومًا الكتاب مفيد جدًا وماتع، وأزعم أنه يصلح مدخلًا لقراءة أعمال د.راشد. يؤخد على الكتاب التكرار، الممل أحيانًا في بعض الفصول، وهذا شائع في الكتب التي تجمع محاضرات ومقالات إن لم تحرر. يقع الكتاب في أزيد من أربع مائة وخمسين صفحة، عن مركز دراسات الوحدة العربية.