هكذا بدأت الكتابة... جلست وحدي أمام أحد القبور ورأيتني فجأة آخذ قلماً وورقة كانا معي، وباشرت فوراً كتابة بعض الخواطر. دون سابق تهيؤ أو استعداد، رجعت إلى غرفتي في المدرسة (منزل الطلبة) وكان اليوم يوم خميس وتاليه الجمعة وهو يوم عطلة. ويوم العطلة مناسبة يتزاور فيها الطلبة، واتفق ذلك اليوم أن زارني بعض الطلبة العامليين وبدأت أعدّ لهم الشاي وحين عدت إلى غرفتي بادرني أحدهم ما هذا الشيء الجميل الذي أقرأه لك، ولم أفطن لما يقصده بادىء بدء فاستفهمته وعلمت أنه يقصد الورقة التي دونت فيها خواطري وكنت حفظتها تحت المخدة. وتابع الزميل ثناءه على القطعة وحثّني على نشرها تكراراً حتى زيّن لي الأمر فأرسلتها إلى جريدة ‘النجف’ وهي أسبوعية تصدر في النجف، وغاب عني الأمر، إلى أن ذهبت برفقة زميلي محمد شرارة ومحمد باقر ابراهيم لنتلقى الدرس اليومي. وكان من عادته أن يستقبلنا باشّاً ويمضي الدقائق الأولى من الجلسة في حديث فكه، لكنه هذه المرة استقبلنا بوجه بارد ولم يترك لنا وقتاً للمسامرة وبدا مغضباً، وأخذ يعظنا متجهماً عابساً. وحرنا في السبب في بادىء الأمر إلى أن تبيناه بعد ذلك. إذ رأينا القطعة منشورة في الجريدة، وتناهى لنا أن الشخص الذي حثني على نشر القطعة عمد بسوء نية إلى شراء أعداد كثيرة وتوزيعها على أساتذتي على سبيل الوشاية. كان سيء الطوية لكن كان له فضل أن أطلقني للكتابة وأنني صرت كاتباً.
شاعر وروائي وصحافي لبناني (مواليد 1945، صور) من أبرز الوجوه الثقافية في بيروت، وروّاد قصيدة النثر. درس الأدب العربي في جامعة بيروت العربية، وحصل على الماجستير في الأدب من السوربون الفرنسية. أمضى حياته متنقلًا بين باريس وبرلين وبيروت حيث يقيم الآن. صدرت له سبع روايات منها "خريف البراءة" (2016) التي حازت جائزة الشيخ زايد للكتاب (2017)، بالإضافة إلى ما يفوق خمس عشرة مجموعة شعرية منها "الموت يأخذ مقاساتنا" (2008) التي حازت جائزة المتوسّط للشعر (2009)، وآخرها "الحياة تحت الصفر" (نوفل، 2021) تُرجمت قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والإسبانية والكردية.
اتذكر اني كتبت مقدمة مختصرة عن حسين مروة في مراجعتي للجزء الأول من موسوعته العظيمة النزعات المادية في الفلسفة العربية و الإسلامية . كنت قد استقيت تلك المعلومات عن طريق البحث عبر مواقع الإنترنت المختلفة بصورة سريعة جدا و مع ذلك فأنا اجدها كمعلومات ذات قيمة أكبر من هذا الكتاب الذي يدعي أنه سيرة ذاتية لحسين مروة. الكتاب عبارة عن حوار مع مروة و هو شيخ في السبعين استغرق اكثر من نصفه في نشأته في جبل عامل بجنوب لبنان و طفولته حتى ذهابه للنجف للدراسة الدينية ثم بدأ الكتاب يدخل في عمق حسين مروة الذي يعنينا و هو نقطة تحوله من الدراسة الدينية النجفية إلى الفكر الشيوعي و محاور تشكل ثقافته الأدبية و السياسية ثم لم يلبث أن وقع في فخ تفاصيل حياته الشخصية مرة أخرى مع لمحات خاطفة من سيرة مثقف بحجمه. الكتاب لم يكن به إلا أسطر قليلة مما احتاج أن أعرفه عن حسين مروة المثقف الإنسان و ان كان كتابا خفيفا و قصيرا تنهيه في جلسة أو جلستين.
نجمة اضافية للعنوان الذي اختاره مروة بنفسه الكتاب حوار أجراه عباس بيضون مع حسين مروة في الثمانينات مستحثا ذكرياته وسيرة حياته، راح الجزء الاكبر منه في الحديث عن تنشئته وتعليمه الديني المبكر في النجف حيث كان معدا لأن يكون عالم دين شيعي حذو أبيه ، لكن شاء له اطلاعه المبكر على كتابات طه حسين واسماعيل مظهر أن يخط له مسارا اخر انتهى به الى قيادي في الحزب الشيوعي اللبناني. وهو في ذلك كالعديد من ابناء طائفته وجيله منتصف القرن الماضي الذين تأثروا بالتيارات اليسارية والشيوعية والتقدمية عموما. تنقطع السيرة فيما يبدو انه حديث غير مكتمل عن مواقفه السياسية دونما تعليق من المؤلف ان كان ذلك عن عمد ام لا. لعل حساسية المرحلة التي كتب فيها كانت سببا لذلك.
كنت أتوقع أن أقراء سيرة ذاتية لحسين مروة وهو شخصية تقافية مشهورة وشيوعي عربي معروف في الاوساط اليسارية في جيل شباب السبعينات والثمانينات ولم أكن أعرف أنه كان شيعياً معمما درس في حوزة النجف الا في وقت متأخر جداً وتوقعت أن أقراء عن اسباب تحوله الفكري لكن كانت الاجابات قصيرة مختصرة حتى يكاد أن يقول انه لم يكن عضوء فاعل في الحزب الشوعي اللبناني وإنما انحصر نشاطه في الجانب الثقافي ، عموماً لم تسفر هذه السيرة الذاتية لهذه الشخصية المشهورة لجيلي عن كثير وربما اجمل مافيها هو عنوان هذه السيرة
سيرة ذاتية للكاتب حسين مروة... صاحب كتاب النزعات المادية للفلسفة الإسلامية... قصة قد يمر بها المرء عندما يُحتاج أن يتم تأهيله من الصغر لأهداف أو سيرة مستقبلية مشرفة... أن تسير الطفولة وأنت تعيشها كشخص شاب... بيّن الكاتب (والمُخاطِب) قصة النجف وتسليط الضوء على الدراسة فيها (بشكل مُجمل)... لكن ليس هذا ما توقعته من سيرة لحسين مروة... الكتاب مقتضب، ولا يحوي الشيء الكثير.. بل لعله لقاء صحفي... أكثر منه سيرة
"لا أضيق بالحياة، حتى في أكثر وجوهها عتمة؛ لفرط ما عندي من حب للناس والحياة والقضية التي ألتزمها. لم أخن مرة عاطفتي وفكري ولم أوارب فيهما." توقعت أكثر مما وجدت، المقدمة كانت مشوقة وكذلك بعض المقتطفات عن طفولته ومشاعره، فهمه لذاته وغاية عيشه لشيءٍ مبهر. إلا أن عدم إلحاق بعض الأجوبة المقتضبة بسؤالٍ آخر لتوضيح المعنى، وعدم إنهاء الكتاب بخاتمة تلملم شتاته، حالوا دون استمتاعي به.