اثارت نظرية التطور الجدل منذ يومها الاول, فبالرغم من عدم نفيها لوجود اله, الا انها تنفي الخلق المباشر الذي يقول به سفر التكوين والقرآن, وتقول ان الحياة يمكن ان تنشأ وتتنوع دون الحاجة لتدخل كيان ميتافيزيقي ما, ومن هنا بدأ التشويه للنظرية على يد المؤمنين بالمعاني الحرفية لهذه الكتب. ويستعرض الكابتان كاميرون سميث وتشارلز سوليفان اشهر 10 خرافات عن التطور في كتاب بسيط وسلس ومناسب لمن ليس لديه الكثير من المعلومات عن التطور
الخرافة الأولى: البقاء للأقوى
يعد مصطلح البقاء للأقوى من أكثر المفاهيم المغلوطة عن التطور, ويعزي الكاتب ذلك إلى وسائل الإعلام والبرامج التي تعرض صور افتراس الحيوانات المفترسة لغيرها من الحيوانات في مشهد دموي درامي مما يرسخ في ذهن المشاهد أن الحياة قائمة على الصراع وأن يأكل القوي الضعيف. وأن القنوات المتخصصة في بث البرامج المعنية بالحياة البرية والحيوانات والنباتات غالباً ما تعرض البرامج عن الأسود والدببة والأفاعي, ويندر أن تجد برنامجاً يتحدث عن حيوان عاشب ضعيف
ويزيل الكاتب اللبس بين الأصلح والأقوى, حيث أن القوة لا تعني بالضرورة الصلاحية, فالبشر على سبيل المثال من أضعف الكائنات حين ولادتهم, فهم عاجزون تماماً عن إحضار الغذاء لانفسهم ولا يملكون مخالباً أو أنياباً ويعتمدون كلياً على الرضاعة من صدور أمهاتهم, ورغم ذلك فالانسان من اصلح الكائنات على هذا الكوكب بفضل قدرتهم على المعيشة والتأقلم في البيئات المختلفة وامتلاكهم للدماغ وليس القوة العضلية. فالبقاء للاصلح بالنسبة للفرد يعني القدرة على البقاء على قيد الحياة, وبالنسبة للانواع هو انتاج عدد كاف من الافراد الناجين لفترة كافية تمكنهم من انتاج الذرية القادمة. والظروف البيئية المختلفة من حرارة وبرودة, ووجود حيوانات مفترسة في الارجاء او عدمه وغيرها من الظروف هي ما تحدد الكائن القادر على البقاء الذي بمقدورة التأقلم مع هذه الظروف والعيش والتكاثر (الانتقائية البيئية معقدة جدا لدرجة اننا قد نعتبرها لا نهائية). وباختصار, ضع دباً قطبياً ودجاجة في منطقة استوائية وسوف تنجو الدجاجة (الاضعف) لانها الاصلح للعيش في هذه البيئة بعكس الدب القطبي الذي سيقتله فروة الثقيل من شدة الحرارة. او ضع اسدا افريقيا وبطريقا في منطقة قطبية وسينجو البطريق (الاضعف) بينما يهلك الاسد ويموت متجمدا (مثال الدببة والبطاريق من عندي وليس من قبل الكاتب)
الخرافة الثانية: مجرد نظرية
من اكثر الانتقادات المضحكة بالنسبة لي, حيث يتم الخلط بين النظرية في حديث العامة التي تعني وجهة نظر, وبين النظرية العلمية التي تعني تفسيرا لظاهرة ما مدعوما بالادلة العلمية. فعندما تجلس على المقهى وتقول "نظريتك" في الحماوات بأنهن مثل الافاعي مثلا فهذا يختلف كل الاختلاف عندما يخرج العالم ويقول ان التطور او النسبية العامة نظرية. وتتشابه الفرضية مع النظرية في ان الفرضية تعد تفسيرا قائم على الملاحظة, ولكن لم يتم اثبات خطئه او صحته, اما النظرية فهي الفرضية بعد ان تتوالى الحقائق الدالة والداعمة لصحة هذا التفسير. ومن ابرز ما يميز النظرية هو قدرتها على التنبؤ, فعندما تلاحظ مثلا وجود تشابه كبير بين الانسان والشمبانزي تستطيع ان تقول ان هناك سلفا مشتركا بينه وبين الانسان, بل وبأن هذا السلف قريب من زمننا مقارنة بغيره من اسلافنا مع الطيور على سبيل المثال, فعند الفحص الجيني للانسان والشمبانزي ستجد انه بالفعل يتشابه جينيا الى حد بعيد مع الانسان اكثر من الطيور وهذا يدعم فرضيتك
ويستعرض الكاتب اللاماركية ليزيل اللبس بينها وبين الداروينية الجديدة, حيث يأخذ البعض اقوال لامارك ويقول انها هي نظرية التطور, ثم يدحض اللاماركية معلنا انتصاره على الداروينية وسط اتباعه من الجهلة والمغيبين. وبالرغم من تبني دارون لبعض ما جاء به لامارك, الا ان العلماء الذين اتوا بعد دارون اثبتوا خطأ هذه المبادئ اللاماركية ولكن تبني دارون لها لا يخطئ التطور الدارويني القائم على الانتخاب الطبيعي, فنقد اقوال دارون لا يعد نقدا للنظرية, فاذا قام دارون من الموت الان لن يسعه الا ان يكون تلميذا في احدى الجامعات لان ما اضيف للنظرية من بعده اضعاف ما ساهم به هو, ولكنه فقط وضع الاساس للنظرية.
والتطور يقوم على ثلاثة مبادئ رئيسية وهي "التضاعف, والتمايز, والانتقاء". فالتضاعف يحدث بالتكاثر الجنسي او اللاجنسي, والتمايز هوا اختلاف الذرية عن اسلافها بقدر ضئيل, ويتعاظم هذا القدر جيل بعد جيل حتى تختلف هذه الذرية عن اسلافها وعن اقرانها ايضا, ثم يأتي الانتقاء فيبقي الذرية القادرة على التأقلم مع البيئة بينما تهلك الذرية الغير قادرة على التأقلم. ويشير الكاتب الى ان الاختلاف بين العلماء في تفسير ظاهرة ما لا يعني انهم ينكرون التطور, مثل الاختلاف حول سبب فقدان البشر للشعر الكثيف, فرفض عالم لتفسير عالم اخر في سبب فقدان هذا الشعر لا يعني خطأ النظرية. لذلك فالتطور حقيقة لان المبادئ الاساسية التي يقوم عليها التطور مثبته بشكل قطعي
الخرافة الثالثة: سلم الارتقائية
انتشر قبل دارون الاعتقاد بأن الموجودات تترتب في شكل هرمي, حيث يقبع في اسفل الهرم الصخور والتراب وبقية الجمادات, ثم يأتي بعدها النباتات ثم الحيوانات ثم البشر ثم الملائكة والله, وتنقسم كل طبقة بدورها الى عدة طبقات فرعية, فيعتلي قمة الجمادات المعادن النفيسة مثل الالماس والذهب, وعلى قمة النباتات تأتي اشجار الفاكهة وهكذا. ويعتقد البعض ان التطور يسير على هذا النحو, من كائنات اقل قيمة الى كائنات افضل واعلى قيمة واكثر قدرة على البقاء. ولكن هذا الاعتقاد الخاطئ لا يدعمه انقراض الديناصورات وغيرها من الكائنات الاكثر تعقيدا وقوة, في حين ان كائنات مثل الصراصير استطاعت البقاء لقدرتها على التغذية على اي شئ تقريبا كالمواد العضوية المتعفنة وقدرتها على التكاثر السريع. كذلك الامر في حالة حدوث كارثة طبيعية الان مثل ارتطام كويكب بال��رض وتغطية الغبار لضوء الشمس, فالبشر سيهلكون بينما يستمر كائنات يعتقد انها ادنى لقدرتها على البقاء. فالتطور ليس لديه غاية محددة ووجهة يريد الوصول اليها فيطور الكائنات احدهم تلو الاخر لكي يصل لهذا النموذج النهائي الكامل التطور. وبالرغم من زيادة تعقيد الكائنات كلما اتجهنا بالزمن الى الامام, الا ان هذا التعقيد لا يعبر بالضرورة عن خطة مسبقة هدفها الوصول لنتيجة معينة, بل اشياء مثل الانقراضات التي تقضي على كائنات اكثر تعقيدا في ذات الوقت الذي نجد فيه ان الابسط تعقيدا يستطيع ان يستمر يعد حجة لنفي مثل هذا الاعتقاد
الخرافة الرابعة: الحلقة المفقودة
تقوم هذه الخرافة على الاعتقاد بأن الكائن تحول من شئ الى شئ اخر في غمضة عين, كأن يتحول الطفل الى شاب ثم الى شيخ, ولكن الحقيقة ان التحول تدريجي وبطئ, فكما توجد العديد من التغيرات البطيئة في الطفل حتى يصبح شابا, ويكون من الصعب التحديد متى بالضبط تحول من طفل الى شاب, او من شاب الى شيخ, فكذلك التغير بين الانواع يحدث ببطأ وبالتدريج فلن يقفز الكائن الى شئ اخر ثم الى شئ ثالث, وهذا ما يحاول الكاتب ان يقوله بأن لفظ الحلقة المفقودة يعطي انطباع بأن التحول جاء بهذا الشكل, فكان القرد بشكل معين ثم تحول لشكل اخر ثم اصبح انسانا. ولكن قبل ان اقرأ هذا الفصل اعتقدت انه سيتحدث عن حجة غياب الكائنات الوسيطة وسيأتي بأمثله لكائنات وسيطة بين الحوت واسلافه او الحصان واسلافه وهكذا, ولكن لم يكن هذا ما تحدث عنه المؤلف
الخرافة الخامسة: التطور عشوائي
كثيرا ما نجد الامثلة السخيفة التي يهاجم اعداء التطور النظرية باستخدامها, مثل "التطور اشبه بوضع كراسي واربع عجلات ومحرك ومقود سويا ثم اتت الرياح وقلبتهم وصنعت منهم سيارة, او طائرة" مثل هذه الاعتراضات هي افضل مثال تضربه لمن يتعلم المغالطات المنطقية, فهذه مغالطة التشبيه الزائف. يتجاهل المعترض ان هناك شفرة جينية وانها تنتقل من فرد الى اخر مكونة بعض الخلايا الصغيرة والتي تنموا بدورها ببطأ وبدقة بفضل الشفرة الوراثية, ولم يتم تجميع كائن مثل الانسان بأن وضع العظم واللحم والدم سويا وضربوا ضربا مبرحا في الخلاط فنتج عنه الانسان. التطور كما سلف الذكر يحدث بالتضاعف والتمايز والانتقاء الطبيعي, فالتضاعف ليس عشوائيا, اما التمايز فيحدث بعشوائية نعم, ولكن الانتقاء الطبيعي ليس عشوائيا بالرغم من انه ليس عاقلا, فيبقي الاصلح ويفني الغير صالح للبقاء. انه اشبه بأن تصنع مجموعة من الكرات متباينة الاحجام, وهذا اشبه بالتضاعف في التطور, ثم تحضر قمعا مخروطيا به فتحة من الاسفل وتقذف الكرات بداخله, فالكرة مناسبة الحجم ستمر من الفتحة السفلية للقمع اما الكرات الكبيرة لن تمر لان حجمها غير مناسب للمرور, وهذا اشبه بالانتقاء (المثال من عندي وليس في الكتاب)
الخرافة السادسة: البشر أتوا من القرود
الخرافة الاشهر على الاطلاق, حيث لم يتوقف المعترضون على نظرية التطور عن القول بأنها تقول بأن الانسان اصله قرد منذ ان نشر دارون نظريته حتى الان, وبالطبع من يصدق ذلك هم انصاف المتعلمين والمتحيزين مسبقا ضد اي شئ يخالف ما ذكره كتابهم المقدس. يوضح الكاتب ان للانسان اصل مشترك مع القرد وليس متطورا عن القرد. فمثلا نجد السؤال المثير للشفقة الذي يقول "اذا كان الانسان تطور عن القرد فلماذا لم تطور بقية القردة وتصبح بشرا؟ او لماذا مايزال هناك قرود؟" هذا السؤال اشبه بقولك "اذا كان سكان الامريكتين اصلهم من اوروبا, اذا لماذا لايزال هناك اناس في اوروبا؟" مضحك اليس كذلك؟ فحتى لو افترضنا ان النظرية تقول ان الانسان اصله قرد فسيظل هذا السؤال سؤالا غبيا. في هذا الفصل يعرض الكاتب بعض الاكتشافات الدالة على اصل الانسان وان اسلافه من اشباه البشر قد انقرضوا بالفعل وانهم قد انحدروا من نفس السلف الذي انحدر منه اقرب الكائنات الى البشر, الشمبانزي.
الخرافة السابعة: توازن الطبيعة مثالي
في هذه الخرافة يقول مدعيها ان الطبيعة متوازنة بشكل مثالي وان الكائنات تعيش في الطبيعة بشكل يجعلنا نقول انها خلقت خصيصا لكي تسكن هذه الطبيعة من كثرة تكيفها معها. ولكن هذه نظرة قاصرة بالطبع, فبالفعل الكائنات الحية منسجمة مع الطبيعة من حولها, ولكن اتى ذلك بعد سلسلة طويلة من عدم التكيف والتكيف حتى استطاعت الكائنات التكيف والتغير لتتناسب مع البيئة. فالبيئة لم تصنع خصيصا من اجل هذه الكائنات, بل الكائنات هي التي نحتها التطور بالشكل المناسب للبيئة بينما انقرضت الغالبية العظمى من الكائنات التي لم تستطع التأقلم مع المتغيرات البيئية. فالتطور يؤدي لاحداث التوازن الطبيعي ولكن تأتي المتغيرات البيئية وتخل بهذا التوازن فيعيد التطور التوازن لفترة اخرى
الخرافة الثامنة: الخلقية تدحض التطور
هنا يتحدث الكاتب عن جهود الخلقيين لاثبات صحة الخلقية وخطأ التطور من خلال رفض الادلة العلمية القاطعة التي تثبت قدم عمر الارض مدعين ان الارض عمرها 6 الاف عام فقط مما يعني استحالة حدوث التطور وما الى ذلك من الادعاءات المستندة على سفر التكوين والتي ليس لها اي اساس علمي بل اثبت العلم خطأها من خلال اثباته لصحة ادعاءات تُناقِضُها
الخرافة التاسعة: التصميم الذكي نظرية علمية
في الخرافة قبل الاخيرة يتم استعراض نشاة فكرة التصميم الذكي والاعيبها للتحايل على العلم والقضاء لايهام الناس بأنها نظرية علمية او يدور حولها جدلا علميا على الاقل. ولكنها لم تقدم اي شئ يذكر لكي يدعم صحتها, بل تتبع مغالطة الاحتجاج بالجهل المتبع من قبل جميع اتباع الخرافات على مدار التاريخ, حيث يستغلون الجهل بنقطة ما لكي يقدموا تفسيرات غير قابلة للفحص لتسد هذه الفجوة المعرفية, ولكن يمكن لذلك ان يخدع البسطاء بسهولة, لا من يفكر بأسلوب علمي, لذلك فأفضل مكان يمكن تتواجد به هذه النظرية هو الجدل الفلسفي وليس لاعلمي, وستكون الطرح الاضعف في الجدل الفلسفي
الخرافة العاشرة: التطور غير أخلاقي
يستشهد اعداء التطور بالدروينية الاجتماعية مدعين ان هذه هي النتيجة التي سيؤول اليها من يقتنع بصحة التطور. فالاخلاق لديهم لا يمكن ان تتوافق مع التطور. ولكن الكاتب يدافع عن عكس هذا الرأي ويقول ان نظرية التطور ليس لها اي علاقة بالدروينية الاجتماعية, بل ان النظرية يمكن ان تعطينا اجوبة حول نشأة الاخلاق ودورها في استمرار النوع
آخذ على الكاتب عدم طرحة لبعض الادلة القوية, فقد كان بإمكانه صنع كتاباً افضل من ذلك ولكن يبدوا انه آثر التبسيط. ولكنه في المجمل كتاب جيد لمن لديه هذه الخرافات العشر