قرأت كثير من الأبحاث حول فلسفة الأسرة ومقاصد الشرع في الأسرة، وناهيك عن ركاكة هذه الأبحاث إلا أنها لم تتحدث إلا عن الأسرة النووية الصغيرة وأهملت اتصالها بالعائلة الكبيرة وكأنها فرع لا أصل له. لا أكتب هذا لنقد هذه الأبحاث ولكن لأبين الفروقات بينها وبين الكتاب الذي بين أيدينا الآن والذي يعتبر فريد من نوعه بين هذه الكتابات -على كثرتها-.
الكتاب يقدم نظرة فلسفية كلية عن الأسرة، مستنبطا هذه الفلسفة من الأحكام الشرعية الجزئية التفصيلية عن الزواج والقوامة والولاية والنفقات والديات وغيرها من الأحكام التى تتعلق بهذا الأمر.
يقدم هذا في تسلسل واضح ودقيق، فلا يبدأ في فكرة إلا وقدم لها، ولمَ هي من المسلمات عنده، فلا يقفز على الفكرة إلا ووضح لك منشأها فإذا سلمت له في الأولى سلمت له في الثانية، وهذه من المميزات الكبرى للكتاب. فقبلا بدأ بلماذا يستنبط فلسفته عن الأسرة من الشرع وما دخل الشرع في هذا! وهذه من البلايا التي عمت وطمت في المجتمع وأصبح الغرب هو المنبع والحاكم لفلسفتنا وإليه الرجوع في أمورنا.
والكتاب على قسمين:
قسم يوضح فيه المؤلف بعض المفاهيم التأسيسية التي قد ينبني عليها فهم القسم الثاني. وهو كان القسم الأمتع بالنسبة لي لما فيه من أفكار ومفاهيم هي خلاصة دراسة الشريعة والتي ربما لا تجدها في كتاب ولكن تنتزع من فهم فروع الشريعة انتزاعًا. كتب هذا القسم على مجموعة مقالات منفصلة ولكنها شديدة الاتصال ببعضها وبمضمون الكتاب. وربما وجدتَ المقال لا علاقة له بموضوع الكتاب، فتراه يوضح لك الرابط ولم أتى به هنا.
والقسم الثاني من الكتاب يفصح فيه عن طبيعة الأسرة والعائلة وعن الأدوار المتشابكة بين أفرادها، وأن زاوية النظر الأحادية للفرد دون النظر لكونه عضو في أسرة هذا خلل في النظر يؤدي لفساد المجتمع. ثم بين مفهوم الزواج وهل هو أمر حتمي أم اختياري! ومن الذي يُقدم عليه! وتحدث عن عمل المرأة وخدمتها وما يميل إليه الشرع في هذا. وهذا ملمح هام أن تعرف حكم الشرع أولا ثم ميله لجانب دون آخر، فتبقى الفروق الفردية والظروف المحيطة هي المسيطرة في هذه المساحات ما دام لم يحرمها الشرع وأباحها..
وبين معنى الولاية والقوامة وما مقصود الشرع في هذا. وكان فصل الحقوق والواجبات مقال هام تفهمه في ضوء مقال القضاء والديانة في القسم الأول، أشار فيه إلى بعض أحكام الإسلام عن الزواج وطاعة الزوج، ثم أتممها في إشارة ذكية-بالكلام عن التسلط ويبين الفرق بين الطاعة والتسلط وغاير بينهما. وختم المقال بعبارة لطيفة أنقلها كما هي لجمالها : "الخلاصة أن من حسن منبته، وحسنت تربيته وأخلاقه لا يحتاج لسرد الحقوق والواجبات عليه، بل يسعى بأكثر من المطلوب منه ويحرص عل ود صاحبه وخاطره، أما إن ذهبت الأخلاق، فقلما تأتي الحقوق بالواجبات"..
ثم مر ببعض المفاهيم الهامة كالرشد والبلوغ والحضانة والنسب وغيرها. بين فيهم بعض الأحكام الفقهية الجزئية دون الدخول في التفاصيل. وتفكيك لبعض المفاهيم المغلوطة في المجتمع، وبناء مفاهيم من داخل فلسفة الشريعة نفسها.
وختم بباب لطيف عن التربية والإنجاب بين فيه دور الآباء تجاه أبنائهم , وبين جوانب هامة هي أحق بالتربية يغفلها الآباء، وجوانب غير هامة يراعيها الآباء ويقصرون عليها أدوارهم.
الكتاب لا يتحيز لفئة على حساب الأخرى، وقلما نجد طرح ينظر لهذه القضية بشكل تكاملي. بل يسير معك في إنصاف ويُقر ببعض المشاكل الموجودة حقيقة سواء منشأها الرجل أو المرأة، فلا ترى مشاحنات تعلي من موقف طرف على حساب آخر. وينظر لمشكلات حقيقية في المجتمع وربما بين أسبابها، ولكن لم يكن الإنشغال بمعالجتها بقدر ما كان الانشغال في منعها بداية بترسيخ تلك المفاهيم والفلسفة التي يطرحها.
والكتاب أسلوبه سهل وبسيط ومنطقي، لا يستخف بعقلك ولا يفرض عليك أفكاره، بل يطرحها عليك وإما أن تقبل أو ترفض فلا إشكال.
الكتاب فيه دعوة لطيفة لتعلم الدين تعلم حقيقى. فما قيل إلا القليل، والأحكام كثيرة ولا يسعك إلا تعلمها حتى تتضح الصورة كاملة.
وختاما لا يسعنا إلا الاحترام لمثل هذه الكتابات الراقية التي تحترم العقول، وتفتح آفاقا جديدة للبحث والنظر في أصول الأشياء. وتقدم طرحا لا يهمل الدين ولا يهمل الاحتياجات النفسية والمجتمعية الموجودة..
فجزا الله المؤلف خير الجزاء,, ونفعنا دوما بكتاباته,, وفي انتظار المزيد,,