هذا أول عمل للمستشار طارق أصادفه في رحلة القراءة ,في البداية تكلم عن أن الحوار قد ينجح إذا وجد من الطرفين ما يدعو للتقارب بينهم في وجهات النظر ولكن المشكلة أن طرفي الحوار لا ينسيان ذواتهما أثناء الحوار, تطرق في البداية للحديث عن نشأة العلمانية في مصر وقد برأ محمد على منها حيث قال كما هو مدون في التاريخ أن بعثاته للخارج كانت لأغراض علمية بحتة ولم تكن بخصوص العلوم الإنسانية وكانت خاصة بالجيش والطب وغيره مما يعود بالنفع على توسعاته وتوطئته لأركان مصر وخدمه أهدافه,ولكن هو يرى أن ذلك يم يكن مقصد محمد على من البداية و إنما هي آثار لا دخل له بها نتيجة سياساته التى ورثها عنه أبناؤه, فالإنفتاح على الغرب والعزلة أيضا التي كانت تعيش فيها مصر أدت لظهور نخبة حاجمة متطلعة للغرب إضافة للهيمنة الغربية على مصر ,فنرى أن البداية قد بدأت تظهر في عهد الوالى محمد سعيد وخليفته اسماعيل حيث دخول الغرب بنفوذه كمؤسسات اقتاصدية وبنوك و بيوت إقراض و رهانات وغيرها,ثم المحاكاة في وسائل المعيشة والديون التاريخية التى كبدها الوالى خزينة البلاد خاصة اسماعيل وقد كانت البعثات العلمية تتجه إلى العلوم الإنسانية كالآداب وغيرها.
و لا نغفل إنشاء الوزارة برئاسة نوبار باشا وعضوية انجليزي للمالية و آخر فرنسي للأشغال العامة,ثم النظام القضائى من الغرب خاصة القضاء الفرنسي و إنشاء المحاكم المختلطة وقد كانت معظم حركات الاستقلال والنداء الوطنى متركزة في دعوات الافغاني ورشيد رضا والكواكبي ومحمد عبده.
و قد صرنا كما يصف المستشار طارق البشرى بسبب هذا الانفتاح والمحاكاة للغرب و وجود المتغربين ننتج الغرب ونعيد انتاجه في مجتمعاتنا, وقد ساهمت الجامعة الأمريكية في بيروت و التعليم في المعارف في مصر والسماح للبعثات التبشرية للقدوم إلى مصر والتقرب من الطبقة العليا, إضافة إلى معاداة مصر تحت توجيه الإنجليز للدولة الغثمانية أدى ذلك إلى قدوم مفكرين من الشام أغلبهم من الاتجاه العلماني .وقد أجمل المؤلف المشارع في ثلاث مشارع رئيسية,المشرع الأول هو المدارس الرسمية الحديثة والثاني هو جريدة المقطم المعبرة عن اللسان البريطاني وتوجهاته و الثالث هو مشرعا مصريا وهو حزب الأمة وصحيفة الجريدة الناطقة بإسمه والتي أصدرها أحمد لطفى السيد.
ثم تحدث بعد ذلك عن الحرب العالمية الأولى ونتائجها من انتصار بريطانيا وإقامة الإتحاد السوفيتي بعد الثورة البلشيفية و انهيار الدولة العثمانية, وكيف قامت دولة علمانية هناك في تركيا وكذلك ما حدث من اتفاقية سايكس بيكو وتقسيم الشام والعراق و بين كيف أن العلمانية قد ظهرت كحل للمشاكل الطائفية في التوحد ضد الاستعمار, والصحافة وتطلعاتها للغرب كثيرا.تكلم أيضا عن ظهور الحركة الإسلامية و أسباب ظهورها وكيف أنه لاقى قبولا ولا يزال يلقى قبولا عند الشعب وهذا كله كتقديم لنشأة العلمانية و ظهورها في مصر.....الكاتب بعد ذلك يتكلم عن الأنظمة المحتلفة والقمارنة بينها ورؤية كل منهم للآخر وهو يقول بأن الفرق بين من ينادون بالإسلام وبين العلمانية والليبرالية هو العقيدة و كيف أن هؤلاء ينادون بالدين ولا يغفلون عن لآخرة ولكن الطرف الثاني وهو يفكر في الدنيا وتصريف الأمور من منطلق رؤيتهم.
ثم تناول كيف تم إبعاد ذوي التعليم الديني عن الوزارة منذ تم إنشائها 1978 وحتى عهد السادات إلا في حالات قليلة جدا وكيف انفصلت علوم الدنيا عن علوم الدين و أصبحت المنفعة هي المتحكم .
تكلم أيضا بالتفصيل عن مشروع الحركات الإسلامية وتركيزه على الدعوة الي الاسلام و استقلال الاوطان وكذلك الدعوة الى تطبيق الشريعة واهمالها التركيز الاقتصاد والديموقراطية والحياة الاجتماعية والدستور والسياسة الدولية.
وحقيقة هذا هو الواقع كما تكلم الكاتب والذي يكثر فيه الكلام أن الاسلام هو دين ونظام حياة دون بيان كيفية وصل الشريعة بعلوم المجتمع في شتى المجالات وهذه هي احدى الحجج التي يستدل بها الرافضون للحركات الاسلامية.
تكلم أيضا عن المعارك الفكرية وكيف أنها أصبحت معركة بعد أن كانت من المفترض أن تكون وصولا إلى تسوية فكرية بين الطرفين وكيف انشغل كل منهم بالتناقضات الثانوية (حقوق المرأة) والتي يساء التعامل معها فتحولت الى تناقضات أساسية كما قال ماوتسي تونج,وقد وصل الحد إلى أن اتخذ العلمانيون الرافضون للماركسية نظريات ماركسية وتطبيقاتها للرد على الفكرة الاسلامية من باب دفع الضرر الأكبر بواسطة الضرر الاصغر .
تكلم أيضا عن قولبة الأفكار في شخصية وبالتالي تستطيع أن تتسرب من الشخص إلى الفكرة وتصب غضبك عليها كمثلا أن يتكلموا عن الشريعة الاسلامية ثم ينتقلون منها الى النميري فيتدفق السخط منه على الشريعة الاسلامية,فتشخيص الافكار هو اسلوب متبع في الحرب الفكرية وكما يقال عن النميري مثلا تشخيص الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي و الجامعة الاسلامية في الدولة العثمانية وغيرها, وكذلك ايضا تحريف الافكار متبع في الحرب الفكرية حيث أنه من يحاورك من الطرف الآخر إنما يعرض فهمه لما عرضت ثم يتناوله من هذا الفهم و بالتالي يحدث تحريف للفكرة عن طريقة تغيير الكلام او ترتيبه الى سياق يناسب هذه الحرب الفكرية ,طريقة آخرى وهي تشتيت الفكرة .
تكلم عن الاستقطاب وكيفية معارضة التيار الاسلامي دائما بالملفات الخاصة بغير المسلمين والبنوك وحقوق المرأة , وعن أن الاسلام قادر على التفاهم مع العلمانيين من مختلف اتجاهاتها ماعدا من يعتنقون التفكير المادي ومن يتجه الغرب قبلة له ويرى نموذج أوحد فيهم.
تكلم عن الصراع الفكري والفتنة الطائفية وكيف انه يجب تجنب العصبية لأن ذلك يولد خوفا عند الطرف الاخر,تكلم عن الامن الاجتماعي وكيف انه مرتبط بالاوضاع الاقتصادية و السياسية والذي يكون سببا في ظهور العصبية,تكلم عن أهمية الألفة والاتحاد من أجل التصدي للشر الذي صار قويا وبذلك يتم حماية الجماعات الفرعية الكونة للوطن,تكلم عن الفتنة الطائفية و أحداث الاسكندرية والزاوية الحمراء والصعيد, وعن كيف أن الأقلام دائما ما تهون من الموقف مستدلة بماضي ولى وانقضى دون تدبر في أسباب الفتنة وكيفية التصدي لها وعلاجها جذريا.
تكلم عن تطبيق الشريعة و الأقباط وكيف أن الشريعة ومبادئها موجودة في الدستور دون تطبيق,وتحدث عن ضرورة ضمان حقوق الأقباط السياسية والقانونية وكيفية التفرقة بين النصوص وبين الاجتهادات في فهم النصوص .تكلم عن كيف أن العلمانيين يستغلون قضية القبط للتصدي للحركات المنادية بالاسلام ضغفا منهم بدلا من أن يدافعوا بأفكارهم فالقبط والمسلمون مصلحتهم واحدة في الوطن وكلاهما كان ضحية للغرب يوما من الأيام,تكلم عن ضرر انكار الوجود التاريخي لتيار وكيف أنه ربما يلحق الضرر فيما بعد فانكار الحقائق لن يلغي وجودها.
الحقيقة كما قال المستشار البشري هو ان الغرب يخوف القبط من الشريعة وفي نفس الوقت يخوف المسلمين المادين بالشريعة من النزعة الغربية.فالقلق الحقيقي هو أن يتوحد الأقباط مع النزعة الغربية فيحملوا بغير حق أوزار الخلاف بين العلمانية و الاسلامية السياسية.
تكلم عن النظرة الاسلامية للاقتصاد وتحدث عن البنوك التي تتعامل بالربا وكيف أن المودعين تحولوا منها الى تلك التي لا تتعامل بالربا رغم انخفاض وتذبذب العائد منها ولكنه كما قال رصيد ديني عند الناس ولذلك يجب استغلال هذا الرصيد بالتوظيف الامثل لأموال المودعين في البنوك الغير ربوية حتى يعود ذلك بالنفع على الفرد والوطن فإن توظيف الأموال من قبل هذه البنوك أو المصارف في غير ما يخدم الوطن هو ضرر يراه الكاتب اثما أيضا,تحدث عن أن شركات توظيف الأموال أصبحت الشغل الشاغل للدولة وسياساتها و القوى السياسية التي تشعر بالخطر من هذه الشركات التي يقف ورائها من هم يشكلون خطرا عليها, تحدث عن أن التهجير الذي حدث للعمالة الماهرة للخارج أصبح يدر أموالا و فائض للعمالة والتي تريد أن تستفيد منه ولكن تخشى التضخم وفي نفس الوقت لا تريد التعامل بالربا وبذلك وجدوا ضالتهم في شركات لا تتعامل بالربا...
كل هذا ليس إلا صراعا بين تيار اسلامي سياسي وتيار اخر مناهض له
الكتاب لغته صعبة وتعبت فيه ربما لأني لم اقرأ في كتب الفكر من قبل الا قليلا وربما لأنه سمة من سمات المستشار البشري لغته القوية.