رميصاء's Reviews > غرفة إسماعيل كافكا

غرفة إسماعيل كافكا by شيماء هشام سعد
Rate this book
Clear rating

by
84437179
's review

it was amazing

"أريد أن أسافر في النجوم، لكن هذا الجسد البائس يعوقني"

بين الماضي والحاضر، والشباب والشيخوخة؛ رحلة أنت مسؤول عن نسجها كما تريد، ماذا تريد، ومن أين ستبدأ، أنت الذي سيقرر، هل ستسافر إلى النجوم أم ستبقى هنا على الأرض أسير للواقع. تظل تنسج خيوط الرحلة حتى يأتي حدثٌ جلل يغيّر لك الخارطة، يغيّر لك الوجهة؛ لا في النجوم ولا على الأرض بل طريح الفراش، الرحلة التي ستقرّر مصيرك تقضيها طريح الفراش لا تستطيع حتى الإيماءة بعينيك!

هكذا صوّرت الكاتبة حياة إسماعيل، إسماعيل فقط وليس إسماعيل كافكا ولا إسماعيل مشالي؛ إسماعيل طريح الفراش في غرفة "الأشياء التي عفا عليها الزمن"، فقد عفا عليه الزمن هو أيضًا فنقلوه إليها. وفي هذه الحالة نسج لنا إسماعيل حكايته المتشعبّة، المثيرة؛ الشيّقة بلا شك.

ماذا ستفعل لو أمامك ثلاثة أيام وتموت؟
إسماعيل لديه ثلاثة أيام، ثلاثة أيام ليموت، أو لنقل ليقتل نفسه ولكن ليس بنفسه. إسماعيل لا يتحرّك، لا يستطيع أن يأتي بسكين ليغرزها في قلبه ليتخلّص من حياته البائسة التي تحمّلها عشرين عامًا. عشرون عامًا لم يستطع فيها أن يطلّق زوجته التي لم يشعر أنّه يحبّها يومًا، لم يستطع أن يتزوج من يحبّ، لم يستطع أن يحتضن ابنته، ابنته التي تريد أن تتخذ زوجها أبًا، رسائل ابنته لم يستطع أن يلقي نظرة عليها؛ عشرون عامًا ينسجها إسماعيل في خياله!

في طفولتي تمنّيت كثيرًا لو أن الله منحني قبل موتي وقتًا محدّدًا أتجهز فيه، لكن كنت أشعر بسذاجة أحيانًا. أخاف أن يأخذني على غفلة. تخيلت لو أنّني أعطيت إشارة ووقتًا، سأجلس مع نفسي، أسترجع شريط حياتي، سأستغفر كثيرًا وأصلي كثيرًا لكنني سأبكي كثيرًا، سأفتقد أحبابي بالتأكيد، سأودّعهم؛ لكن هذا أفضل من الذهاب دون توديعهم. أحلام الطفولة الساذجة هذه لم يحظ بها إسماعيل،لم يحظ بأحباب ليودعهم، أصبح قديمًا أو لنقل منسيًّا، لم يحظ بزوجة تحبّه ولا بأبناء يقدّرونه وكيف سيقدرون شخصًا ليس موجودًا!

شريط حياته يمرّ أمامه، منذ طفولته، يوم كان في التاسعة، يوم ضربه أبوه المتسلّط، عندما وقعت نانا -التي تكبره بعدّ السنين- في قلبه ولم يكن يعلم ما الحب. عبد الرحيم صاحبه وصديق ابنه أو لنقل أبوه البديل، أمّه الذليلة لسلطة رجل لا يقدّرها ويتعالى عليها وفي رواية النساء، أمّه الزوجة الصالحة "لا أظن أنّها صالحة بالتأكيد"، نساء العائلة، مريم "التي لا يحبّها"، رقيّة ابنته التي حمد الله على حالته هذه لأنها كبرت ولم تشبهه "أحيانًا تأتي الأشياء كما نريدها"، ابنه الذي يشبه عبدالرحيم في نشاطه وحركته وتمرده "لنصدق القول هو لا يشبه عبد الرحيم فقط"، ليلة زفافه، كرسي أبيه وأبيه، الحقيبة التي سافر بها لبنان، المجزرة والطفلة، لا، الأطفال، منصور والرصاص الذي كان يتناثر، ظلمه لمريم، ظلمه لنفسه الذي أدى بالطبع لظلمه لمريم، الحقيبة الأخرى التي تذكره بأن تم تعطيله كزوج وكأب، تم تعطيله كإنسانٍ ممن حوله؛ لم يشعر بأنّه مازال إنسانًا إلّا في حضن أخته نورة. مؤسف أن تفقد نفسك وأنت حي؛ هل مازلت حيًّا يا إسماعيل!

مراجعة الحياة قاسية بالتأكيد، لا أعلم ماذا سيكون شعورك يا إسماعيل وانت تقبل على الموت، ولكن أظن أنني أتفهم. دعني أتخيّل: مراجعة خيالية نطاقها المكاني حدود دماغك، ونطاقها الزماني ثلاثة أيام وأنقِص منهم الأوقات التي تدخل فيها البشرية الوحيدة عليك. اعتذر لكل من أذيتهم، لا، اعتذر لنفسك أولًا، ولمريم ثانيًا، ثم الآخرين في القائمة، ابتسم لذكرى طريفة أتت الآن في مخيلتك، اشكر مريم المسكينة ثم طلّقها، احتوي ابنتك، كن لابنك الأب الحقيقي الذي افتقده لعشرين عامًا، طلًق مريم للمرّة الثانية، حاول أن توقّف ابنك الآخر قبل أن تبتلعه الدنيا "أظنّه صعبًا"، استرق عناقًا من أختك الحنونة، لا تحوّل بيتك لعيادة لابنك على حساب أبناءك الآخرين؛ طلّق مريم للمرّة الثالثة. مؤسفٌ للغاية أن يكون كل هذا في خيالك!
ثم قف أمام الله، اشكره لأنّه أعطاك وقتًا لتودّع أحبابك الذين لا يحبونك، اشكره على سفرك للبنان ومشاهدتك المجزرة، اشكره لأنّه جعلك تختبر إنسانيتك هناك وجعل لك ولو معنى تستند عليه طوال حياتك، اشكره لأنّك لم تستطع أن تنسج رحلتك كما تحب، لا أظن أنّك كنت ستحبها لو أنّك نسجتها بيديك، اشكره على الحمامة التي لا يحلو لها قضاء حاجتها إلا على أنفك، اشكره على أبيك الذي خلّصك من حياتك، اشكره لأنّك الآن في جواره؛ آمن.

رواية على غرار روايات-نجيب محفوظ وأحمد خالد توفيق-من حيث الشجاعة في وصف الأشياء كما هي، في وصف القضايا والحديث عنها، في استخدام الألفاظ التي لا تكتمل الرواية دونها. لطالما أحببت الروايات التي تقوم على قضية أو تاريخ، الرواية هنا قامت على قضايا وليس قضية، الأب المتسلّط، العنف ضد الأبناء، العنف الجسدي والجنسي ضد المرأة من زوجها، وظلمها النفسي من المجتمع، المصطلحات التي يجب أن تُحرّر: الابن المطيع البار إلى الابن الخانع، الزوجة الصالحة إلى الزوجة الذليلة، الحب يأتي بعد الزواج إلى الحب لا يأتي بعد الزواج لو أن الشخص كان الشخص الخاطئ، البنت الغزالة التي يجب افتراسها إلى البنت الصغيرة التي لم تبلغ السابعة عشرة والمجبرة على الزواج، الزوج الذي يجب أن يُشعر الزوجة بمشاعر الأبوّة التي لم تحظ بها إلى الزوج ليس أبًا.
تناول هذه الأشياء في الرواية أعطاها من القيمة الكثير، أعجبتي شجاعة الكاتبة، الرواية لم تكتب على استحياء كالتي قبلها، ربما يكتسب المرء شجاعة بعد المحاولة الأولى ولكن انبهرت من أنّها جاءت هكذا بعد المرة الأولى فقط، كتبت الرواية على أشياء واضحة وبطريقة واضحة غير متخفّية، التمويه عند الحديث عن الواضحات يقلّل من قيمة الأشياء والأشخاص في آن.

قالت: "كالإسفنج، تمتص في الطفولة كل ما يتم غمسنا فيه، في مراحل العمر التالية تعتصرنا الحياة لتستخرج منّا العصارة وعندما نموت نكون قد جففنا تمامًا"

مخيفٌ هذا الاقتباس، شعرت فجأة بفقد الأمل في التغيير، تبادر في ذهني-هنا-الكثير من الأشياء، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام، التربية أم الدين، التربية أم العلم، الدين والعلم يستطيعان تغيير ما تنحته التربية بنا!
أسئلة أبحث عن إجابتها منذ وقت، ألاحظ حتى أستكشف هل سنستطيع تغيير الأشياء المتأصلة بنا أم لا، لكن النتائج الأوليّة تقول :التربية، تقول: البيت، تقول: مراحل حياتنا الأولى، تقول أن المؤثّر الأكبر فيما يظهر علينا الآن ما نُحت فينا من صغرنا. الدين والعلم يعيدان تشكيل، تشكيل ما نريد أن نغيّره، لكنهم لا يغيّروا. تحايل حتى نصبح أفضل، تحايل على أي تشوّه حدث، تحايل حتى نستطيع الاستمرار ربما نصل ونحن نجاهد قبل أن يفقدنا هذا العالم طاقتنا على المجاهدة.
5 likes · flag

Sign into Goodreads to see if any of your friends have read غرفة إسماعيل كافكا.
Sign In »

Reading Progress

March 1, 2022 – Started Reading
March 1, 2022 – Shelved as: to-read
March 1, 2022 – Shelved
March 5, 2022 – Finished Reading

No comments have been added yet.