maged senara's Reviews > كل ما أعرف

كل ما أعرف by علي قطب
Rate this book
Clear rating

by
35397629
's review

liked it

كل ما أعرف.. وضريبة المعرفة!

"كنت أتساءل عن فائدة المعرفة طالما لا تقتل بها وساوسك التي تسبب في ازدياد مأساتك، فقد كان لدي قناعة دائمة أن العلم يمنحك اليقين الذي يجعلك تواجه مخاوفك مهما كانت شراستها، إلا أن ثوابتي كلها كانت محض خرافة على ما يبدو، وبالتبعية ومع تلك الانهيارات المتلاحقة كان منطقياً أن تنقلب الحياة رأسا على عقب؛ لأسلم بعد ذلك بأنه لا يقين بهذه الحياة".
ربما كان الهوس بالمعرفة يمثل الخطيئة الأولى، المعرفة التي تمثل مدلول الغواية من حيث مقاومتها بإرادة فولاذية أو الانجذاب لها بما ينتج عنه من مغامرة، أو تجربة قد تؤدي إلى الإنارة أو الاحتراق، ولأن الأمر ارتبط بامرأة "غدير" من الغدر أو المغادرة، فالمعرفة هنا ستتجلى بالمعنى الأكثر قبحا، ففي بعض الأحيان الجهل يولد الثقة على نحو أكثر مما تولده المعرفة.. خاصة وإن كانت المعرفة هي كشف لخيانة امرأة!.
...
لا تدخلنا في التجربة ولكن نجنا من الشرير:
التجربة هنا تحمل نوعاً خاصا من الاختبار لغدير، اختبار قد يؤدي لحل من ثلاثة، إما أن تحدث الخيانة فينتج الصراع الذي يلهم الكاتب "علي" حيث يقول: "سألت نفسي كثيراً هل أحتاج منها إمدادي بمعاناة كي أستطيع فعل الكتابة؟" والحل الآخر فأن تعتصم بحبل الوفاء وترفض المغريات المادية.. والثالث هو الراتب المجزي الذي يحصل عليه نتيجة لفعل الخيانة.. ربما هذه التعقيدات هي ما تمثل الصراع الدرامي في أوج شدته وتناقضاته، وهو ما قد يؤدي لقدرة الكاتب على الإنتاج والخلق، وهذا الشعور تحديداً هو ما يشعر "علي" بالوجود، الاتزان، القوة، القدرة المطلقة في الإحياء وبث الحياة في شخصيات من لحم ودم، وهي في صميمها تحمل نوعاً من التعويض النفسي الناتج عن نقص ما في شخصيته وتركيبته البشرية والصفات التي لازمته من الطفولة مثل التردد والقلق، وضعف الشخصية..

لكن على نحو آخر، فغدير كامرأة أو كأي إنسان عادي، هل الوقوع في التجربة يمنح تبريرا للخيانة، أليست التجربة والاختبار جزءا أصيلا من ممارسة الحرية والقدرة على اختيار بقناعة؟ أم أن الواقع المعاش، والأفكار المغروسة في اللاوعي الجمعي في ظل مجتمع قمعي تجعل أي فرضية للحرية تؤدي حتماً إلى فوضى وعشوائية في ممارسة الأفعال وتظهر وجه الإنسان القبيح، ربما كان التبرير دوماً أن الزوج من منحها الاختيار.. لكن هل ذلك هو نوع من الجبرية ومحاولة غلق الباب في ظل فكر سائد يرى الحرية جريمة لا تغتفر؟!
لكن من الشرير؟ الشماعة؟

هو رافي بامتياز، الشخص الذي لم يظهر في أي مشهد، رغم ذلك هو خالق الحدث، فقد أوحى إلى "علي" بالفكرة، وسوس له بها، أقنعه أن هذا هو السبيل من أجل الثقة بالزوجة والفعل المحرض للكتابة في آن واحد، وحين أغلقت في وجه علي كل الأبواب، بحث عن رافي فلم يجده، الهاتف مغلقا، نوع من الاستلهام من التراث الديني، الشيطان الذي يتخلى عن الإنسان بعد أن يغويه ويعشمه بالخلاص.. وما أتعس كاتب فقد الإلهام!
...
تعتمد الرواية على تعدد الأصوات، حيث تدور على لسان أربع شخصيات (أحمد علي- غدير- أحمد محفوظ- ياسر الغنام)
مستويات اللغة مختلفة إلى حد ما، وهو شيء يحسب للكاتب حيث تلبس الشخصيات وتوحد معها بشكل كبير، كحرباء تغير جلدها كل حين..

أحمد علي:
الشخص الذي يعاني من أزمة ثقة، اختلال وجودي، شخص اتكالي، ربما يعود ذلك لفقدانه الأم والأب في سن مبكر، واعتماده في الكثير من الأحيان على ابن خالته أحمد محفوظ، لذلك هو يرى نفسه في الآخرين، لم يستطع أن يتعايش معها، لم يحبها بالقدر الكافي، وكان دوماً يتمنى لو كان الشخص الآخر، لذلك فهو يعيش في حياة على الورق، يخشى المغامرة، جبان، لا يواجه، يرقب، يتأمل، لكن الفعل الإيجابي مفقود، ربما لذلك كان ابن خالته يخبره دوما أن الحياة في الممارسة، واللذة في التجربة..

أحمد محفوظ:
الوجه القبيح للعالم، البوهيمية الكاملة، نوع من ممارسة المادية المطلقة، لا مشاعر، أو إنسانية، يمارس أحط الأفعال الإنسانية، الابتزاز بشقيه، سواء النفسي أو الجسدي، من أجل جلب المال، ومع هذه الحالة، يكون الإنسان كثور مغمى العينين، منساق خلف غرائزه، لكن حين تصطدم الغريزة والبوهيمية بالاعتداء على زوجة ابن خالته، هل يفعلها؟ أم أن الضمير الذي يظهر على استحياء سيكون كفيلاً بالقضاء على الرغبة؟ هنا يطرح السؤال؟ الرغبة تنتصر أم الفطرة؟

غدير:
الغواية، التفاحة، الشجرة، الفخ الذي نصبته الطبيعة بتعبير أحد الفلاسفة، هذا بالضبط يمثل انعكاسها في عين الرجال الثلاثة.. لكن في مرآتها الخاصة، الاحتياج المادي والجسدي والنفسي هل يقودوا للخيانة، البدائل الأفضل، صراع العقل والروح، المادة والقيمة الإنسانية.. في ظل بحثها عن الأمان، خاصة وأن المال الذي تحصلت عليه كان دوماً مرتبطاً بمفهوم الأمان، وأيضاً سبب كراهيتها وإمعانها في تعذيب "علي" هو افتقادها لهذا الشعور عندما وضعها في خانة فأر التجارب! الشعور بالمهانة نفسه، هو الذي جعلها بعد ذلك تتصرف مع ياسر بمنتهى القسوة! لا شيء يقتل المرأة أكثر من إحساسها بأنها صارت رخيصة!

ياسر الغنام:
عقدة الأب، القسوة، البخل، العنف، الحرمان، عدة أشياء ساهمت في تكوين شخصية "ياسر"، لذلك فالأمر كله عند ياسر مرتبط بالتعويض، البحث عن الأم، وهذا ما دفعه ناحية سلوى في البداية، ثم الشعور كرجل وهو ما أراده مع غدير.. سلوى التي كانت أم صديقه كريم، وغدير زوجة صديقه "علي".. في الحالتين فالعامل النفسي له دوره في اختيارات ياسر بشكل كبير، لكن هل ينجو لأنه يملك المال؟ أم أن الخطيئة تطارد صاحبها للنهاية؟

شخوص الرواية مليئة بالحيوية والحياة، الزمن سائل، يتحرك بانسيابية، ما بين الحرية الكاملة عند أحمد علي، وتقنية الفلاش باك بشكل كبير على لسان ياسر الغنام، والمزج بين الحاضر والماضي عند أحمد محفوظ، وغدير، حيث المرأة تمثل الحاضر دوماً، كانت القضية تحكى وتروى بالتوازي لكي نعرف كل ما يعرف الكاتب ويريد أن يقوله..

لذلك فلغة الرواية كانت جافة في معظمها، تفتقد للمحسنات البديعية أو الكنايات والاستعارات، تكاد تخلو من المجاز، هي رواية صريحة بمفرداتها، تركز على الحدث الخارجي المرتبط بشخصيات يغلب عليها المادية والشراهة والنرجسية والتمحور حول الذات ومحاولة قنص أي لذة وتحقيق أكبر فائدة مادية، ونادراً ما تغوص في الأعماق، لتحلل صراعات النفس البشرية، أو تبرز حالة صراخ الضمير، أو استفاقة الروح وما إلى ذلك، وأعتقد أن هذه كانت نقطة إيجابية للغاية في الرواية.. حيث أن شخصياتها، شخصيات لا ترى سوى نفسها واحتياجاتها بامتياز!

النهاية لم ترق لي بالشكل الكافي خاصة لارتباطها بالمبادئ السائدة في العقل والوجدان الجمعي، من حيث كما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، النهاية التي تحمل العقاب لكل الخطايا.. والمسحة الأوديبية التي تعلقت بروح أحمد علي، حيث فقأ الأول عينيه، بينما الآخر تخلص من شيء آخر تماماً!
وتبقى رواية "كل ما أعرف" الصادرة عن دار العين للكاتب "علي كتب" عملا يعول عليه للغاية.
...
2 likes · flag

Sign into Goodreads to see if any of your friends have read كل ما أعرف.
Sign In »

Reading Progress

Finished Reading
July 2, 2022 – Shelved

No comments have been added yet.