KSS's Reviews > الحداثة السائلة
الحداثة السائلة
by
by
ها أنت عُدت أيها الوغد، أيها المتدخل فى شئون الغير؟ عدت ثانية لتزعجنا وتنغص علينا، تريد مرة أخرى أن تُعرض أجسادنا لأخطار وتضطرنا إلى اتخاذ قرارت جديدة دوماً؟ لقد كنت فى غاية السعادة، كنت أتمرغ فى الوحل والتراب، كنت أتشمس فى ضوء الشمس، كنت أغلف الطعام غلفاً، وأعب الشراب عباً، كنت أقبع وأنخر، كنت متحرراً من التأمل والتردد: ( ماذا أفعل: هذا أم ذاك)؟
لما أتيت ؟!
أجئت لتعيدنى مرة أخرى إلى هذه الحياة الكريهة المقيتة التى كنت أحياها من قبل؟
كان هذا رد إلبينورز – البحار الذى قام أوديسيوس بتحريره من لعنة تحوله إلى خنزير فى القصة الأسطورية الأوديسا – والذى أحب وضعه الجديد وتأقلم عليه وقاوم بشدة محاولات أوديسيوس إعادته إلى هيئته البشرية
هذا هو النمط التى تحاول الرأسمالية - الليبرالية ان تجعل بنى البشر يحيونه حياة الأنعام؟ فهل استساغ البشر طريقة العيش تلك؟ يأكلون ويشربون وقليلاً يعملون؟ لا يفكرون ولا يتأملون؟ فقط يعيشون ويستمتعون ويشترون ويستهلكون؟
أعتقد أن الراسمالية نجحت فى تحويلنا بنسب متفاوتة إلى هذا النمط الذى تفضله لكى تُطيل من مدة بقائها على هذا الكوكب، وعندما أقول أنها نجحت بنسب متفاوتة أعنى أنها نجحت مع البعض نجاحاً منقطع النظير وربما لم تنجح مع البعض الآخر.
باومان من جديد يُحلل كيف نجحت الرأسمالية فى تسلعينا، وتفكيك الروابط الأنسانية فيما بيننا، وتفكيك المجتمع وتحويله من جماعة ذات هدف واحد ومصير واحد إلى أفراد ذات مصالح متباينة وأحياناً متنافرة، وحتى العلاقات الأسرية والحميمية من علاقات دائمة إلى علاقات مؤقتة قائمة على الإشباع والرغبة وكيف أثرت طريقة التفكير تلك على علاقاتنا بالدولة أو الكيان الذى نعيش على أرضه وتحت سماه، فتحولت العلاقة بين المواطن والدولة علاقة مؤقتة قائمة تبادل المصالح والخدمات وانتهى أى حديث عن الانتماء والولاء ومصلحة الأمة والصالح العام كما فى القتباس التالى:
وأمسك باومان بهذا الخيط ونجح فى التأصيل إلى أن نجاح الرأسمالية فى تفكيك العلاقات والروابط ساعدها بشكل كبير فى تمييع العلاقة بين العامل ومؤسسة عمله أو العامل وصاحب العامل، فلا حديث هنا عن ارتباط العامل الأبدى بالمؤسسة ولا حرص من صاحب العمل على استدامة الأعمال فى سبيل التوظيف ومحاربة البطالة ومساعدة المجتمع على التخلص من اثارها الجانبية ولكن فقط فى سبيل زيادة رأس المال.
ما الذى يشجع الحياة أن تصير فى طريق الميوعة والسيولة والانقياد وراء طريق تفكيك الروابط وسهولة الانفصال؟
هو ذاك الكم من الفرص التى تغدق به علينا الرأسمالية ومع كثرة هذه الفرص وتعدد مزاياها يسهُل على الفرد اتخاذ قرارات الانفصال أو التخلى أو الانفكاك.
سأحكى لكم الآن قصة مثيرة حكاها لى مهندس زميل فى إحدى الشركات الرأسمالية التى تُدعى مالتى ناشيونال وهو من أبناء الصعيد شاب أسمر رائع فى أخلاقه ومعاملاته أوقعه حظه فى إحدى الحفلات التى تقيمها شركته (التى قد يعمل بها أوتسورسينج بالمناسبة إمعاناً فى تفكك العلاقة بينه وبين شركته وزملاؤه) فى أهم وأرقى فنادق مصر فيحكى: أنه بمجرد دخوله للحفل وجد الجميع يلبسون أزياء عارضى وعارضات الملابس، جميعهم يرتدوت ماركات عالمية رجالاً ونساءاً وهو الوحيد بينهم الذى يلبس ملابس مصرية المنشأ والتصميم والصنع، فقال له أحد زملاؤه لماذا لم ترتدى الملابس التى جلبناها سوياً من تركيا فى زيارتنا الأخيرة فجميعها ماركة وكانت تليق بهذا الحفل، ألا ترى الجميع هنا يلبسون الماركات العالمية حفاظاً على شكلهم بين زملاؤهم وبالتبعية الحفاظ على وظائفهم، فانزعج الشاب جداً وأحس طيلة الحفل أنه دون مستوى الزملاء وقرر ألا يحضر مثل هذه الحفلات مرة اخرى.
هذه الشركة كنموذج ستجدون تتطابق تام مع فكرة باومان، شركة تؤدى أعمال محددة لمدة قصيرة، وتوكل المهام الصغيرة والأعمال التى يترفعون عن القيام بها لشركات من الباطن، فتحقق مكاسبها المادية المرجوة وربما تُغير نشاطها تبعاً لمتطلبات السوق.
لما أتيت ؟!
أجئت لتعيدنى مرة أخرى إلى هذه الحياة الكريهة المقيتة التى كنت أحياها من قبل؟
كان هذا رد إلبينورز – البحار الذى قام أوديسيوس بتحريره من لعنة تحوله إلى خنزير فى القصة الأسطورية الأوديسا – والذى أحب وضعه الجديد وتأقلم عليه وقاوم بشدة محاولات أوديسيوس إعادته إلى هيئته البشرية
هذا هو النمط التى تحاول الرأسمالية - الليبرالية ان تجعل بنى البشر يحيونه حياة الأنعام؟ فهل استساغ البشر طريقة العيش تلك؟ يأكلون ويشربون وقليلاً يعملون؟ لا يفكرون ولا يتأملون؟ فقط يعيشون ويستمتعون ويشترون ويستهلكون؟
أعتقد أن الراسمالية نجحت فى تحويلنا بنسب متفاوتة إلى هذا النمط الذى تفضله لكى تُطيل من مدة بقائها على هذا الكوكب، وعندما أقول أنها نجحت بنسب متفاوتة أعنى أنها نجحت مع البعض نجاحاً منقطع النظير وربما لم تنجح مع البعض الآخر.
باومان من جديد يُحلل كيف نجحت الرأسمالية فى تسلعينا، وتفكيك الروابط الأنسانية فيما بيننا، وتفكيك المجتمع وتحويله من جماعة ذات هدف واحد ومصير واحد إلى أفراد ذات مصالح متباينة وأحياناً متنافرة، وحتى العلاقات الأسرية والحميمية من علاقات دائمة إلى علاقات مؤقتة قائمة على الإشباع والرغبة وكيف أثرت طريقة التفكير تلك على علاقاتنا بالدولة أو الكيان الذى نعيش على أرضه وتحت سماه، فتحولت العلاقة بين المواطن والدولة علاقة مؤقتة قائمة تبادل المصالح والخدمات وانتهى أى حديث عن الانتماء والولاء ومصلحة الأمة والصالح العام كما فى القتباس التالى:
وأمسك باومان بهذا الخيط ونجح فى التأصيل إلى أن نجاح الرأسمالية فى تفكيك العلاقات والروابط ساعدها بشكل كبير فى تمييع العلاقة بين العامل ومؤسسة عمله أو العامل وصاحب العامل، فلا حديث هنا عن ارتباط العامل الأبدى بالمؤسسة ولا حرص من صاحب العمل على استدامة الأعمال فى سبيل التوظيف ومحاربة البطالة ومساعدة المجتمع على التخلص من اثارها الجانبية ولكن فقط فى سبيل زيادة رأس المال.
ما الذى يشجع الحياة أن تصير فى طريق الميوعة والسيولة والانقياد وراء طريق تفكيك الروابط وسهولة الانفصال؟
هو ذاك الكم من الفرص التى تغدق به علينا الرأسمالية ومع كثرة هذه الفرص وتعدد مزاياها يسهُل على الفرد اتخاذ قرارات الانفصال أو التخلى أو الانفكاك.
سأحكى لكم الآن قصة مثيرة حكاها لى مهندس زميل فى إحدى الشركات الرأسمالية التى تُدعى مالتى ناشيونال وهو من أبناء الصعيد شاب أسمر رائع فى أخلاقه ومعاملاته أوقعه حظه فى إحدى الحفلات التى تقيمها شركته (التى قد يعمل بها أوتسورسينج بالمناسبة إمعاناً فى تفكك العلاقة بينه وبين شركته وزملاؤه) فى أهم وأرقى فنادق مصر فيحكى: أنه بمجرد دخوله للحفل وجد الجميع يلبسون أزياء عارضى وعارضات الملابس، جميعهم يرتدوت ماركات عالمية رجالاً ونساءاً وهو الوحيد بينهم الذى يلبس ملابس مصرية المنشأ والتصميم والصنع، فقال له أحد زملاؤه لماذا لم ترتدى الملابس التى جلبناها سوياً من تركيا فى زيارتنا الأخيرة فجميعها ماركة وكانت تليق بهذا الحفل، ألا ترى الجميع هنا يلبسون الماركات العالمية حفاظاً على شكلهم بين زملاؤهم وبالتبعية الحفاظ على وظائفهم، فانزعج الشاب جداً وأحس طيلة الحفل أنه دون مستوى الزملاء وقرر ألا يحضر مثل هذه الحفلات مرة اخرى.
هذه الشركة كنموذج ستجدون تتطابق تام مع فكرة باومان، شركة تؤدى أعمال محددة لمدة قصيرة، وتوكل المهام الصغيرة والأعمال التى يترفعون عن القيام بها لشركات من الباطن، فتحقق مكاسبها المادية المرجوة وربما تُغير نشاطها تبعاً لمتطلبات السوق.
Sign into Goodreads to see if any of your friends have read
الحداثة السائلة.
Sign In »
Reading Progress
July 1, 2019
–
Started Reading
July 7, 2019
– Shelved
July 7, 2019
–
Finished Reading
Comments Showing 1-9 of 9 (9 new)
date
newest »
newest »
message 1:
by
Rahma.Mrk
(new)
-
rated it 4 stars
Jul 07, 2019 01:32PM
بعد قراءتي ساعود للمراجعة ان شاء الله خلاص ان شاء الله هذا شهر.الى لقاء رفيق كمال.
reply
|
flag
Rahma wrote: "بعد قراءتي ساعود للمراجعة ان شاء الله خلاص ان شاء الله هذا شهر.الى لقاء رفيق كمال."مستنى عودتك للمناقشة
وتقوليلى رأيك فى المراجعة يا رحمة
وقريباً نلتقى بإذن الله
Ahmed wrote: "يا له من إحساس مؤلم تلك الوغزة التي تصيب قلبك من معصية فعلتها أو إثم ارتكبته نعم هو ذلك الشيء الذي يعكر عليك صفو يومك، وإن كنت سعيد في الدنيا أن يكون عقابك من رب العالمين ضيق في الرزق أو حزن في الص..."ما علاقة التعليق بموضوع المراجعة؟
هناك عبارة قرأتها لباومان في كتاب الحداثة السائلة، إن إنسان العصر الحالي في ظل السيولة اصبح مثل الطفل في محل بيع الحلوي ! فشراهة النزعة الاستهلاكية أصبحت لكل شئ، وأي شئ، اضحت عبودية من نوع آخر، فلو فعلا اصبحت تخجل من نوع هاتفك القديم، وتتحرج ان ترد عليه وان تخرجه من جيبك أمام الناس، فها قد أصبحت عبدا بصورة ما في عالمنا السائلسلمت يداك أخي
Nahed.E wrote: "هناك عبارة قرأتها لباومان في كتاب الحداثة السائلة، إن إنسان العصر الحالي في ظل السيولة اصبح مثل الطفل في محل بيع الحلوي ! فشراهة النزعة الاستهلاكية أصبحت لكل شئ، وأي شئ، اضحت عبودية من نوع آخر، فلو..."تسلمى يا ناهد
شكراً على تعليقك ومرورك الرائع
وبالفعل كما تقولين شراهة الاستهلاك أصبحت سمة بنى البشر فى عصر طغيان الرأسمالية وأصبح التسويق علم وفن
أتلاحظى فى الهايبر ماركت .. دائماً يتم وضع السلع بشكل يجعل احتياجاتك الضرورية فى آخر المتجر فيجب عليكى المرور على كل السلع الغير ضرورية والغير أساسية وبالتالى إغواء أكبر بالشراء والاستهلاك
الإنسان نفسه تحول لسلعة كما يقول الدكتور المسيرى فى كتابه الرائع العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة
رحمة wrote: "اجمل و اشمل مراجعة لهذا الكتاب متعب بارك الله في جهودك"تسلمى يا رحمة
شكراً على تعليقك وإن أتى متأخراً ألم تعديننا بإنهاء الكتاب فى ذات الشهر يوليو
ولكن لا مشكلة كتب باومان رائعة أنا أيضاً لا أحب أن أترك بها تفصيلة ولو صغيرة وأحب أن أقرأها على مهل وخصوصاً بترجمة المبدع حجاج أبو جبر وكمان مقدمات هبة رؤوف عزت الرائعة
ألا تذكرك الدكتورة هبة رؤوف عزت بشمس التطبيق نفس الملامح ونفس الطلة الملائكية

